علي الأحمدي الميانجي
207
مكاتيب الأئمة ( ع )
يا بُنَيَّ ، لا شَرَفَ أعلَى من الإسلامِ ، ولا كَرَمَ أعَزُّ مِنَ التَّقوى ، ولا مَعْقِلَ أحْرَزُ مِنَ الوَرَعِ ، ولا شَفِيعَ أنْجَحُ مِنَ التَّوبَةِ ، ولا لِباسَ أجْمَلُ مِنَ العَافِيَةِ ، ولا وِقايَةَ أمْنَعُ مِنَ السَّلامَةِ ، ولا كَنْزَ أغْنَى مِنَ القُنُوعِ ، ولا مَالَ أذْهَبُ للفاقَةِ مِنَ الرِّضا بالقُوتِ ، ومَن اقْتَصَرَ على بُلْغَةِ الكَفَافِ فَقَدْ انْتَظَم الرَّاحَةَ وتَبَوَّأ خَفضَ الدَّعَةِ ، الحِرصُ داعٍ إلى التَّقحُّمِ في الذُّنوبِ . ألْقِ عنْك وَارِداتِ الهُمُومِ بعَزَائِمِ الصَّبرِ ، عَوِّد نَفْسَكَ الصَّبرَ ، فَنِعْمَ الخُلُقُ الصَّبرُ ، واحْمِلْها علَى ما أصابَكَ مِن أهْوَالِ الدُّنيا وهُمُومِها ، فازَ الفَائِزُونَ ، ونَجَا الَّذينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الحُسْنَى ، فَإنَّهُ جُنَّةٌ من الفَاقَةِ ، وألجِئْ نَفْسَكَ في الأمورِ كُلِّها إلى اللَّهِ الواحِدِ القَهَّارِ ، فَإنَّكَ تُلْجِئُها إلى كَهفٍ حَصِينٍ ، وحِرزٍ حَريزٍ ، ومانِعٍ عَزيزٍ ، وأخْلِص المسأَلةَ لِربِّكَ ، فإنَّ بِيَدِهِ الخَيْرَ والشَّرَّ ، والإعْطاءَ والمَنْعَ ، والصِّلةَ والحِرمانَ » . وقال عليه السلام في هذه الوصيَّة : « يا بُنَيَّ ، الرِّزقُ رِزقانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُه ورِزْقٌ يَطْلُبُكَ ، فإنْ لمْ تَأتِهِ أتَاكَ ، فَلا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ علَى هَمِّ يَوْمِكَ ، وكَفاكَ كُلَّ يوْمٍ ما هُو فيْهِ ، فإنْ تَكُن السَّنَةُ مِن عُمُرِكَ ، فَإنَّ اللَّهَ عز وجل سَيأتِيكَ في كُلِّ غَدٍ بجَدِيدٍ ما قَسَم لَكَ ، وإنْ لمْ تَكنِ السَّنَةُ مِن عُمُرِكَ فما تصنَعُ بِغَمِّ وهَمِّ ما لَيْسَ لَكْ ؟ واعْلَم أنَّه لنْ يَسبِقَكَ إلى رِزقِكَ طالِبٌ ، ولَنْ يغلِبَكَ علَيْهِ غالِبٌ ، ولنْ يحتَجِبَ عَنْكَ ما قدِّر لَكَ ، فكَم رَأيْتُ مِن طالِبٍ مُتعِبٍ نفْسَهُ مُقَتَّرٍ علَيْه رِزْقُهُ ، ومُقْتَصِدٍ في الطَّلبِ قَدْ ساعَدَتهُ المَقادِيرُ ، وكُلٌّ مَقرونٌ بهِ الفَناءُ ، اليَوْمَ لَكَ وأنْتَ مِن بُلوغِ غَدٍ علَى غَيْرِ يَقينٍ ، وَلَرُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيسَ بمُسْتدْبِرِهِ ، ومَغْبوطٍ في أوَّل لَيْلَةٍ قامَ في آخِرِها بَواكِيْهِ ، فلا يغرَّنَّكَ مِنَ اللَّه طُولُ حُلُولِ النِّعَمِ ، وإبْطاءُ مَوارِدِ النِّقَمِ ، فإنَّه لوْ خَشِيَ الفَوْتَ عاجَلَ بالعُقُوبَةِ قبْلَ المَوْتِ .